تعـــدد الأنظمـــة العقاريـــة هل يعتبـر مزيـة أم عرقلـة للاستثمـار

إدريـس اجـويـلل: الحكامة العقارية وتحقيق التنمية

التحفيظ العقاري بين إكراهات التعميم وازدواجية النظام العقاري

6 فبراير 2020 - 2:08 م

ذ.أحمد الشحيتي

محافظ عام سابق

مقدمة

اسمحوا لي بداية أن أعبر لكم عن عميق تقديري وعظيم امتناني على الدعوة الكريمة لحضور أشغال الندوة الوطنية في موضوع العقار والتعمير والاستثمار المنظمة من طرف ماستر قانون العقود والعقار وبشراكة مع عدة جهات وفعاليات محلية وجهوية تكريما للأستاذ الحسين بلحساني الذي أهنئه بهذه المناسبة على الأعمال الجليلة التي قام بها طيلة مسيرته الجامعية خدمة للعلم والمعرفة.

مما لا جدال فيه يعتبر العقار أرضية أساسية وفضاء لازما لإقامة كل استثمار، فهو أساس كل تنمية وعنصر للاستقرار وضمان للأمن العقاري والسلم الاجتماعي،ومصدر كل الثروات ومورد كل رزق ورمز للسيادة والكرامة،  ومجال ضروري لممارسة مختلف الأنشطة الزراعية والصناعية والسياحية وغيرها.

واعتبارا لذلك، ولما تمثله الملكية العقارية في حياة الشعوب والمجتمعات، فقد تم تنزيلها منزلة التقديس وإحاطتها من طرف معظم الشرائع الإنسانية عبر مختلف العصور بسياج من الحماية والصيانة والذود عنها مهما كلف ذلك من ثمن، بل إن حضارة الأمم أصبحت تقاس بما توفره من ضمانة وحماية لحقوق أفرادها، وفي مقدمتها حق الملكية الذي خصصت له مكانة خاصة في دساتير المملكة المغربية من بينها دستور 2011 الذي نص في فصله 35 على مايلي:

“يضمن القانون حق الملكية.

ويمكن الحد من نطاقها وممارستها بموجب القانون، إذا اقتضت ذلك متطلبات التنمية الاقتصادية والاجتماعية للبلاد. ولا يمكن نزع الملكية إلا في الحالات ووفق الإجراءات التي ينص عليها القانون”.

لأجل ذلك،تعمل دول المعمور جاهدة من أجل توفير نظام قانوني يضمن للعقار حمايته وتأهيله وكيفية استعماله والتصرف فيه والانتفاع به، والمملكة المغربية من بين الدول التي أحاطت الموضوع منذ مدة ببالغ الاهتمام والعناية بسن ترسنة قانونية وتنظيمية اهتمت تارة بتحسين الهياكل العقارية، وتارة أخرى بتوحيد النظام العقاري للحد من ازدواجيته وتعدد أنظمته العقارية، وهو الموضوع الذي أتشرف بتناوله تحت عنوان: ” التحفيظ العقاري بين إكراهات التعميم وازدواجية النظام العقاري”والذي يمكن ملامسته من خلال ثلاثة مباحث:

الأول يتناول مميزات البنية العقارية

الثاني يخصص لاستراتيجية تعميم نظام التحفيظ العقاري

الثالث يتعلق بإكراهات تعميم نظام التحفيظ العقاري

المبحث الأول: مميزات البنية العقارية

لقد خلصت مختلف الدراسات والأبحاث واللقاءات[1] أنالبنية العقارية بالمغرب تتميز بازدواجية النظام العقاري وتعدد الأنظمة العقارية واختلاف الجهات المكلفة بتدبير العقار، إضافة الى مجموعة من الخصائص والمميزات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الضاربة في أعماق التاريخ.

غير أن ما يسترعي الانتباه بصفة خاصة هو الازدواجية التي يتسم بها العقار وذلك بوجود نظامين عقاريين يتمثلان في العقار المحفظ والعقار غير المحفظ، وداخل هذين النظامين تتواجد عدة أنظمة عقارية .

إن ازدواجية النظام العقاري وتعدد الأنظمة العقارية يعتبران عاملين أساسيين يتحكمان بشكل قوي في مدى قدرة كل نظام على تأهيل وتعبئة العقار ليلعب دوره الطلائعي في التنمية  الشاملة.

ولإبراز معالم وخاصيات كل من ازدواجية النظام العقاري والأنظمة العقارية والنصوص القانونية والتنظيمية المؤطرة لهما يمكن تقسيم هذا المبحث إلى أربع فقرات:

الفقرة الأولى: نشأة ازدواجية النظام العقاري بالمغرب

الفقرة الثانية: العقار غير المحفظ

الفقرة الثالثة:  العقار المحفظ

الفقرة الرابعة: الأنظمة العقارية

الفقرة الأولى: نشأة ازدواجية النظام العقاري بالمغرب

إن نشأة ازدواجية النظام العقاري ببلادنا كان بصفة رسمية انطلاقا من تاريخ بسط الحماية الفرنسية على المغرب سنة 1912، غير أنه قبل هذا التاريخ كانت قد ظهرت في الحقيقة بوادرهذه الازدواجية،  حيث عرف المغرب مجموعة من الاتفاقيات ابتداء من القرن السابع عشر كان من بين أهدافها الأساسية تسهيل تمليك الأجانب الذين كانوا يعتقدون أن قواعد الفقه الإسلامي التي تحكم الملكية العقارية تشكل في نظرهم عرقلة تحول دون تمليكهم ، لذلك تم إبرام عدة اتفاقيات ومعاهدات قبل دخول الحماية الفرنسية مع عدة دول أجنبية من بينها معاهدة 1682 أبرمها المولى إسماعيل مع فرنسا ومعاهدة 1767 أبرمها المولى محمد بن عبد الله مع نفس الدولة ومعاهدة 1797 أبرمها المولى سليمان مع إسبانيا تميزت بمنح الامتياز القضائي للإسبان بالمغرب ومعاهدة 1836 أبرمت مع الولايات المتحدة الأمريكية ومعاهدة 1856 أبرمت مع إنجلترا في عهد المولى عبد الرحمان.

ويبقى مؤتمر مدريد المنعقد بتاريخ 3 يوليوز 1880 الذي شاركت فيه أكثر من أربعة عشر دولة أهم لقاء جاء ترسيخا وتتويجا للاتفاقياتوالمعاهدات المبرمة مع الدول المذكورة أعلاه، وقد نصت المادة 11 منه أنه يسمح للأجانب بأن يتملكوا الأراضي في المغرب شريطة موافقة السلطة المغربية على ذلك من جهة، وإخضاع النزاعات بشأن هذه الأراضي لقواعد الفقه الإسلامي من جهة أخرى ، ولو أن هذه النزاعات تكون من اختصاص القاضي الشرعي ابتدائيا ومن اختصاص وزير الخارجية استئنافيا حسبما هو مقرر في المعاهدات، كما نص على ضمان  حقوق ومصالح الاستعمار وتسهيل ولوج الأجانب إلى المغرب واستيلائهم على الأراضي الخصبة تحت غطاء الإصلاح، وهو ما نص عليه أيضا الفصل الأول لمعاهدة الحماية التي وقعت بفاس بتاريخ 30 مارس 1912 : “إن جلالة السلطان ودولة الجمهورية الفرنسوية قد اتفقا على تأسيس نظام جديد بالمغرب مشتمل على الإصلاحات الإدارية والتعليمية والاقتصادية والمالية ………….” وهو ما سبق لاتفاقية الجزيرة الخضراء المبرمة سنة 1906 أن أعلنت عنه حيث تضمنت بعض موادها مقتضيات لتقنين نزع الملكية لأجل المصلحة العامة حيث تم سنة 1931 نزع ملكية حوالي 270000 هكتار تم توزيعها على 1800معمر، وقد تم التعبير صراحة عن نوايا احتلال الأرض واستنزاف خيراتها من طرف بعض الكتاب الفرنسيين ومن بينهم دنييل صورين والذي صرح:  ”إن مجال اقتحام بوابة المغرب مفتوح، وأنه لابد من تحقيق عزيمتنا بفضل فرض آرائنا على الأرض لأن حصاد المستقبل رهين بزرع اليوم وأن المغرب هو الأرض المؤهلة لتحقيق نوايا وآفاق مستقبلية ”[2].

وهكذا عرف المغرب مع بداية الاستقلال إصدار ترسنة من النصوص القانونية من بينها ظهيرالتحفيظ العقاري المؤرخ في 9 رمضان 1331 (12غشت 913) والنصوص القانونية المرتبطة به من قبيل ظهير 19 رجب 1333 (2 يونيو 1915) بمثابة قانون يحدد التشريع المطبق على العقارات المحفظة  والقرار الوزيري المؤرخ في 20 رجب 1333 (3 يونيو 1915) المتعلق بتفاصيل تطبيق نظام التحفيظ العقاري والقرار الوزيري المؤرخ في 21 رجب 1333 ( 4 يونيو 1915) المتعلق بتنظيم مصلحة المحافظة على الملكية العقارية، إضافة إلى مقتضيات قانونية أخرى كقانون الالتزامات والعقود.

وبعد إصدار هذه القوانين شرع المستعمر بتفعيلها حيث بدأ العمل بنظام التحفيظ العقاري بإحداث أول محافظة عقارية بالدار البيضاء سنة 1915، فأصبح العقار من حيث نظامه يصنف إلى عقار محفظ وعقار غير محفظ.

غير أن قانون التحفيظ العقاري الذي أقره المستعمر الفرنسي لم يطبق على كافة التراب الوطني، بل وجد المغرب نفسه أمام ازدواجية أخرى هي ازدواجية استعمارية فرنسية إسبانية، فكانت المنطقة الوسطى تحت نفوذ الاستعمار الفرنسي طبق بها نظام التحفيظ العقاري كما أن منطقة طنجة الدولية عرفت تطبيق نظام عقاريشبيه بالنظام المعمول به في المستعمرة الفرنسية. أما المنطقة الشمالية فكانت خاضعة للسلطات الإسبانية بناء على اتفاقية مدريد بتاريخ 17 نوفمبر 1912 بين فرنسا وإسبانيا، حيث كانت إدارة هذه المنطقة تناط إلى الخليفة الذي يتم تعيينه من قبل سلطان المغرب من بين مرشحين اثنين تقدمهما الحكومة الإسبانية بمؤازرة المفوض السامي الذي تعينه السلطات الإسبانية[3]  التي أصدرت بتاريخ 17/05/1914 مجموعة من النصوص التشريعية مستمدة من التشريع الإسباني مع مراعاة بعض خصوصيات المنطقة الشمالية، ومن بين هذه النصوص الظهير الخليفي الصادر في فاتح يونيو 1914.[4]

 وبذلك أصبح النظام العقاري بالمغرب تحكمه قواعد الفقه الإسلامي وعدة نصوص قانونية وعرف أنظمة عقارية مختلفة، وأصبح العقار خاضعا لعدة تصنيفات إلى ملكية فردية وحبس وملك عام وملك خاص للدولة وأراضي الجموع والكيش، وكل نوع يحكمه قانون خاص به ومن بين هذه القوانين:

  • الظهير الشريف الصادر في 7 شعبان 1332 (فاتح يوليوز 1914) المتعلق بالملك العام
  • الظهير الشريف الصادر في 26 رمضان 1334 (3 يناير 1916) بمثابة قانون لتحديد ملك الدولة الخاص.
  • الظهير الشريف الصادر في 17 صفر1340 (19 أكتوبر 1921) المتعلق بالملك البلدي.
  • الظهير الشريف الصادر في 26 رجب 1337 (27 أبريل 1919) المنظم للوصاية الإدارية على الأراضي السلالية وتدبيرها وتفويتها.
  • الظهير الشريف الصادر في 12 رجب 1342 (18 فبراير 1924) بمثابة قانون خاص لتحديد أراضي الجماعات السلالية.

الفقرة الثانية: العقار غير المحفظ

لقد سبق الحديث بإيجاز عن ظروف نشأة ازدواجية النظام العقاري الذي أصبح يشمل العقار غير المحفظ والعقار المحفظ، وإلى جانب هذا النظام وجدت عدة أنماط وأنظمة عقارية، وكل صنف يؤطره قانون خاص به، فالعقار غير المحفظ تحكمه قواعد الفقه الإسلامي على ما جرى به العمل في المذهب المالكي وقانون الالتزامات والعقود الذي كان من بين ترسنة القوانين التي سنها المستعمر سنة 1913.

والواقع أن العقار غير المحفظ يحتوي على صنفين: عقار لم يتم إخضاعه بالمرة إلى نظام التحفيظ العقاري وحافظ على طابعه التقليدي، وعقار في طور التحفيظ يخضع من حيث الإجراءات والشكل إلى مسطرة التحفيظ المنصوص عليها في ظهير 12 غشت 1913 المتعلق بالتحفيظ العقاري، كما وقع تغييره وتتميمه، وإلى بعض المساطر بمقتضى قوانين خاصة من قبيل ضم الأراضي القروية[5] والتحفيظ المجموعي[6] والتحفيظ الجماعي للأملاك القروية[7] والتحفيظ الإجباري[8] ومسطرة التحديد الإداري بالنسبة لأراضي الجماعات السلالية[9] وملك الدولة بنوعيه الخاص والغابوي[10].

أما من حيث الموضوع، فإن كلا من العقار غير المحفظ والعقار في طور التحفيظ يخضع لقواعد الفقه الإسلامي وبعض مقتضيات قانون الالتزامات والعقود.

ومن المعروف أن العقار غير المحفظ يخضع لنظام الشهر الشخصي الذي يقوم على أساس شخص مالك العقار أو أصحاب الحقوق العينية المترتبة عليه، وكان ولا يزال موضوع عدة انتقادات لكونه يتسم ماديا بعدم الضبط من حيث موقع العقار ومساحته ومشتملاته وحدوده وطبيعته، وقانونا بعدم معرفة الملاكين الحقيقيين وعدم إشهار التصرفات والمعاملات الواردة عليه، وعدم تدوينها في سجل خاص يمكن من ضبطها وتتبعها ومعرفة ما يترتب على العقار من حقوق وما يثقله من تحملات وارتفاقات، وهي نواقص جعلت العقارغير المحفظ موطنا للعديد من النزاعات يصعب الفصل فيها في أغلب الأحيان لعدم التوفر على عناصر مضبوطة، كما أنه لا يضمن الحصانة اللازمة والحماية القانونية المطلوبة للملكية العقارية، مما يفقده الأمن العقاري والسلم الاجتماعي ولا يتمتع بأية قيمة قانونية ومادية تسهل تداوله وحركيته ولا تكسبه أية ضمانة رهنية يمكن تقديمها لمؤسسات الائتمان للحصول على قروض لتمويل المشاريع التنموية في مختلف المجالات.

الفقرة الثالثة: العقار المحفظ

لقد عرف المغرب بداية من سنة 1913 ميلاد ترسنة من القوانين، من بينها نظام التحفيظ العقاري الذي تم إقراره  من طرف المستعمر بمقتضى الظهير الشريف المؤرخ في 9 رمضان 1331 (12 غشت 1913) ، ويجد هذا النظام أوما يسمى بنظام السجلات العقارية مصدره في النظام الأسترالي المعروف بعقد طورانس نسبة إلى واضعه روبيرطورانس الذي كانت مهمته مراقبة الموانئ البحرية وتسجيل السفن مما مكنه من دراسة النظام العقاري المطبق  آنذاك بأستراليا،  وبالتالي تمكن بعد فوزه بمقعد في البرلمان  من تقديم مقترح قانون تمت المصادقة عليه وطبق بأستراليا منذ سنة 1858 ليتبناه المستعمر الفرنسي وينشره في مستعمراته، ومن بينها دول إفريقيا الغربية والاستوائية ومدغشقر وتونس والمغرب ولبنان وسوريا وغيرها مع اختلاف في أساليب التطبيق ، فمثلا نظام التحفيظ العقاري بالمغرب يتميز بازدواجية المسطرة، فهي مبدئيا إدارية يشرف عليها المحافظ على الأملاك العقارية، وقد تتحول إلى مسطرة قضائية في حالة تعرض، بينما في النظام التونسي فإن إجراءات مسطرة التحفيظ من اختصاص السلطة القضائية.

ويرتكزنظام التحفيظ العقاري على الشهر العيني الذي يقوم على أساس العقار نفسه بصرف النظر عن المالك وأصحاب الحقوق والارتفاقات والتحملات المترتبة على العقار، ويرمي التحفيظ كما نص على ذلك الفصل الأول من ظهير 12 غشت 1913 المتعلق بالتحفيظ العقاري كما وقع تغييره وتتميمه إلى جعل العقارالمحفظ خاضعا للنظام المقرر في هذا القانون من غير أن يكون في الإمكان إخراجه منه فيما بعد، ويقصد منه:

تحفيظ العقار بعد إجراء مسطرة للتطهير يترتب عنها تأسيس رسم عقاري وبطلان ما عداه من الرسوم، وتطهير الملك من جميع الحقوق السالفة غير المضمنة به؛

تقييد كل التصرفات والوقائع الرامية إلى تأسيس أو نقل أو تغيير أو إقرار أو إسقاط الحقوق العينية أو التحملات العقارية بالملك، في الرسم العقاري المؤسس له.

ويتبين من هذا التعريف أنه جمع بين أمرين اثنين: الأول يتعلق بالإجراء التطهيري عن طريق القيام بمجموعة من الإجراءات اصطلح على تسميتها بمسطرة التحفيظ ، ويترتب عنها تأسيس رسم عقاري يكون نهائيا وغير قابل للطعن، ولا يعترف إلا بالحقوق العينية والتحملات المترتبة على العقار أثناء تحفيظه، وتعتبر مسطرة التحفيظ إدارية وقضائية أحيانا كما أشير أعلاه، والأمر الثاني يتعلق بتقييد كل التصرفات والوقائع بالسجل العقاري الرامية إلى تأسيس أو نقل أو تغيير أو إقرار أو إسقاط الحقوق العينية أو التحملات العقارية.

وبذلك يكون المشرع حينما بين المقصود من التحفيظ العقاري يكون قد وضع تعريفا دقيقا لمفهوم التحفيظ العقاري الذي أصبح يعني بعد التعديل بمقتضى القانون 07-14 العقار في طور التحفيظ من جهة وتقييد التصرفات والوقائع الواردة على العقار في مرحلة ما بعد التحفيظ من جهة أخرى، وهذا المفهوم يعتبر من المستجدات التي أتى بها القانون 07-14 المغير والمتمم لظهير التحفيظ العقاري وهو مفهوم وضع حدا للجدل الذي ظل قائما مدة طويلة وشكل خلافا حول مفهوم مادة التحفيظ العقاري الواردة في الفصل 361 من قانون المسطرة المدنية،  وهو ما أدى إلى وجود اتجاهين على مستوى القضاء والفقه الإداري ، الأول أعطى  تفسيرا موسعا لمادة التحفيظ العقاري تشمل مرحلة ما قبل التحفيظ وما بعده، في حين اقتصر نظر الفقه الإداري إلى إعطاء تفسير ضيق لعبارة التحفيظ العقاري الواردة في الفصل المذكور وقصرها فقط على مرحلة ما قبل التحفيظ، ولكل من الاتجاهين حججه ومبرراته،  وأنه لم تعد لهذا الخلاف فائدة لكون المشرع قد حسم في الأمر بنص صريح كما أشير أعلاه، ويمكن للباحثين والمهتمين ولمن فاتهم الاطلاع على هذا الموضوع الرجوع إلى ما كتب وما أنجز قضاء وفقها[11].

أما من حيث مبادئ التحفيظ العقاري فيمكن تلخيصها فيما يلي:

  • تأسيس نظام تصفية العقار وتطهيره الهدف منه تعيين نقطة انطلاق بالنسبة للملك وتصفيته من جميع الحقوق العينية والتحملات العقارية السابقة قبل التحفيظ والتي لم يكشف عنها خلال جريان مسطرة التحفيظ .
  • مبدأ العلنية والإشهار الواسع لحق الملكية وجميع الحقوق العينية الأخرى التي قد تترتب عليه.
  • القوة الثبوتية والأثر المنشئ لتقييد الحقوق بالسجلات العقارية.
  • مبدأ عدم سريان التقادم بنوعيه المكسب والمسقط على الحقوق المقيدة.
  • أما مزاياه فيمكن تلخيصها فيما يلي:
  • حماية الملكية العقارية على غرار ما يكفله الدستور والقوانين الجاري بها العمل ويتجلى ذلك من خلال المبادئ المشار إليها أعلاه.
  • سهولة تداول العقار وتعبئته لاستعماله في مختلف العمليات ومجالات الاستثمار.
  • سهولة الحصول على مصادر التمويل لكون العقار المحفظ يعتبر ضمانة قوية.
  • اعتماد مؤسسات الائتمان على العقار المحفظ كضمانة قوية لمنح القروض.
  • ترسيخ الأمن العقاري والسلم الاجتماعي عن طريق الحد من النزاعات لما يوفره التحفيظ العقاري من ضبط مادي وقانوني للعقار.
  • تمكين الدولة من ضبط الهياكل العقارية مما يساعدها على اتخاذ قرارات في تدبير العقار وتنظيمه وتهيئة المجال.

إن العقار المحفظ تحكمه عدة نصوص قانونية وتنظيمية ومنها على وجه الخصوص:

  • الظهير الشريف الصادر في 9 رمضان 1331 (12 غشت 1913) كما وقع تغييره وتتميمه.
  • الظهير رقم 1.11.178 الصادر 25 من ذي الحجة 1432 (22 نوفمبر 2011) بتنفيذ القانون رقم 39.08 المتعلق بمدونة الحقوق العينية كما وقع تتميمه، وقد تم بموجبه نسخ الظهير الشريف الصادر بتاريخ 19 رجب 1333 (2يونيو 1915) بشأن التشريع المطبق على العقارات المحفظة.
  • الظهير الشريف الصادر بتاريخ 22 ربيع الثاني 1373 (29 دجنبر 1953) بشأن تعيين مهمة واختصاصات المحافظ العام على الأملاك العقارية.
  • القرار الوزيري المؤرخ في 20 رجب 1333 (3 يونيو 1915) المتعلق بتفاصيل تطبيق نظام التحفيظ العقاري . وقد تم نسخ بعض مقتضيات هذين القرارين بموجب المرسوم رقم 13.18 الآتي بيانه.
  • القرار الوزيري المؤرخ في 21 رجب 1333( 4يونيو 1915) بشأن تنظيم مصلحة المحافظة على الأملاك العقارية.
  • مرسوم رقم 2.14.173 الصادر في 11 من جمادى الآخرة 1435 (11 أبريل 2014) بتطبيق الظهير الشريف الصادر في 9 رمضان 1331 (12 غشت 1913) المتعلق بالتحفيظ العقاري.
  • مرسوم 2.13.18 الصادر في 16 من رمضان 1435 (14 يوليوز 2014) في شأن إجراءات التحفيظ العقاري.

هذا بالإضافة إلى نصوص قانونية أخرى لها ارتباط بتطبيق نظام التحفيظ العقاري كالقوانين المتعلقة بضم الأراضي والتحفيظ الجماعي والتحفيظ الإجباري والتجزئات العقارية وتقسيم العقارات والمجموعات السكنية والملكية المشتركة والقانون المتعلق بمراقبة العمليات العقارية وقانون المسطرة المدنية وقانون الالتزامات والعقود وقوانين الاستثمار الفلاحي والقانون المتعلق بالكراء المفضي إلى اقتناء العقار والقانون المتعلق باقتناء العقار في طور الإنجاز…

وقد عرف البعض من هذه النصوص وخاصة ظهير التحفيظ العقاري الذي تم تغييره وتتميمه بموجب الظهير الشريف رقم 1.11.177 الصادر في 25 من ذي الحجة 1432 (22 نونبر 2011) بتنفيذ القانون رقم 14.07 المنشور بالجريدة الرسمية عدد 5998 بتاريخ 27 من ذي الحجة 1432 (24 نونبر2011) عدة تعديلات سيتم التطرق إليها لاحقا.

الفقرة الرابعة : الأنظمة العقارية

إذا كان العقار ببلادنا من حيث النظام القانوني الذي يحكمه ينقسم إلى عقار محفظ وعقار غير محفظ فإنه يتميز كذلك بتنوع وتعدد أنظمته العقارية فهناك الوقف والملك العام للدولة والملك الخاص للدولة وأراضي الكيش وأراضي الجموع وأراضي الجماعات الترابية، وبإيجاز نتناول كل نظام على حدة.

  • الوقـــــــف

لم يتطرق القانون 39.08 المتعلق بمدونة الحقوق العينية كما وقع تتميمه واكتفى حسب المادة 9 من هذا القانون بذكر حق الحبس من بين الحقوق العينية الأصلية تم أحال بمقتضى المادة 130 على الأحكام الواردة في الظهير الشريف رقم 1.236 الصادر في 8 ربيع الأول 1431 (23 فبراير 2010) المتعلق بمدونة الأوقاف.

فالوقف أو الحبس هو تحبيس مال وصرف منفعته لجهة بر وغيرها، ويقع على كل شيء وقفه صاحبه لصرف فائدته على فرد أو عدة أفراد وهو ما يعرف بالحبس العائلي أو المعقب أو يكون هذا الحبس وقفا على مؤسسة دينية أو اجتماعية ينتفع به العموم، وهذا هو الوقف.[12]

وقد تضمنت المادة 1 من مدونة الأوقاف تعريفا للوقف ونصت على أن الوقف هو كل مال حبس أصله بصفة مؤبدة أو مؤقته وخصصت منفعته لفائدة جهة بروإحسان عامة أوخاصة . ويتم إنشاؤه بعقد، أو بوصية أو بقوة القانون. وأضافت أن الوقف يكون عاما أو معقبا أو مشتركا.

وقد تضمنت مدونة الأوقاف المذكورة مقتضيات مختلفة تتعلق بإنشاء الوقف وأركانه وشروطه وآثاره وكيفية تدبيره ومسطرة معاوضة الوقف العام وتصفية الأوقاف المعقبة.[13]

كما هو معروف تتوفر الأوقاف على رصيد مهم من العقارات والأملاك الموقوفة لها أهمية كبيرة من حيث مساحتها وصلاحيتها وموقعها لإنجاز مشاريع الفلاحة والسياحة والخدمات الاجتماعية.

وإذا كانت الأوقاف العامة غير قابلة للحجز أو التفويت بمختلف أنواعه كما لا يمكن كسبها بالحيازة أو بالتقادم وعدم جواز التصرف فيها بالبيع أو الهبة مثلا كما لا يمكن نزع ملكية العقارات الموقوفة من أجل المنفعة العامة إلا بموافقة صريحة من قبل السلطة المكلفة بالأوقاف، إلا أنه أمام الإكراهات الاقتصادية والاجتماعية والطلب المتزايد على العقار الذي أصبح يعرف نذرة لنفاذ احتياطه من جهة ولإخراج بعض العقارات الموقوفة من الجمود والركود من جهة أخرى بهدف استعمالها واستغلالها والرفع من مردوديتها خدمة للشأن الديني والاقتصادي والاجتماعي، وكلها عوامل  جعلت السلطة الحكومية المكلفة بالأوقاف تفكر في إيجاد الحلول الملائمة لمعاوضة  العقارات الموقوفة مع الحفاظ في نفس الوقت على المميزات والخصائص التي يميزها عن باقي أنواع العقار وأصبح من الممكن معاوضة الأموال الموقوفة وقفا عاما إما بمبادرة من إدارة الأوقاف أو بناء على طلب مكتوب ممن يعنيه الأمر.وأن الأموال المتأتية من الأموال الموقوفة وقفا عاما لاقتناء بدل عنها أو استثمارها بهدف الحفاظ على أصل الوقف وتنمية مداخيله. [14]

وتتم المعاوضة سواء أكانت نقدية أو عينية وفق إجراءات نصت عليها مدونة الأوقاف من ذلك مثلا بالنسبة للمعاوضة العينية يجب أن تكون العين المعاوض بها محفظة[15] وأن يتم عقد المعاوضة في محرر رسمي. [16]

  • الملك العام للدولة

يخضع هذا الملك لمقتضيات الظهير الشريف الصادر في 7 شعبان 1332( فاتح يوليوز 1914) المتعلق بالملك العام كما وقع تغييره وتتميمه،ويتميز الملك العام بعدم قابليته للتفويت والحجز والاكتساب بالحيازة.

وقد حدد الفصل 1 من الظهير المذكور مشتملات الملك العام وحصرها على الخصوص في الشواطئ والآبار والخلجان والبحيرات والمنارات والسدود والمراسي والطرق والأزقة ومجاري المياه والموانئ والمطارات، وبصفة عامة كل الأملاك التي لا يسوغ لأحد أن ينفرد بتملكها لأنها مملوكة على الشياع بين الجميع، إلا أن الملك العام للدولة يمكن أن يكون موضوع احتلال مؤقت طبقا لظهير 24 دجنبر 1918 المتعلق باستغلال الأملاك العمومية مؤقتا، إلا أنه إذا كانت الأملاك العمومية غير قابلة للتفويت أو التملك فإنه يمكن الترخيص باستغلالها واحتلالها مؤقتا إذا كان ذلك لا يضر بالمنفعة العامة.

  • الملك الخاص للدولة

إن نظام ملك الدولة الخاص يشبه نظام الملكية الخاصة للأفراد رغم أنه أحيانا قد يخضع  إلى نظام  مزدوج أساسه تطبيق القانون الخاص واستثناؤه تطبيق القانون العام، لأن طبيعة الشخص المالك الذي هو الدولة بصفتها مسؤولة عن الجماعة وبدافع المصلحة العامة وإدارة  وتدبير ملك الدولة الخاص، فإن الدولة باعتبارها أيضا شخص القانون العام قد تلجأ لاستعمال القواعد العامة استجابة للصالح العام[17] .وتتعدد طرقاكتساب الدولة للملك الخاص ويمكن حصرها فيمايلي:

  • نزع الملكية لأجل المنفعة العامة.
  • الاقتناء بالتراضي وقبول الهبات.
  • استرجاع أراضي المعمرين.
  • حيازة الأراضي التي لا مالك ولا سيد لها.
  • الإراثات الشاغرة.
  • الأراضي التي يتم إخراجها من حيز الملك العام للدولة وترتيبها في ملك الدولة الخاص.
  • أراضي الجماعات السلالية

هي أراضي الجموع في إسم جماعة سلالية على شكل قبائل أو عشائر، تربط أفرادها روابط عرقية أو اجتماعية،وتتكون من قبائل ودواوير أو كل مجموعة سلالية، وتتمتع الجماعات السلالية بالشخصية المعنوية، وتعتبرالأراضي الجماعية ملكا للجماعات السلالية، وتخضع لنظام عقاري خاص له إطاره القانوني والتنظيمي وخاصة  الظهير الشريف الصادر في 26 رجب 1337 ( 27 أبريل 1919) كما تم تعديله وتتميمه إذ نص الفصل 4 منه على أن أراضي الجماعات السلالية غير قابلة للتقادم ولا للحجز ولا للتفويت، باستثناء التفويت لفائدة الدولة أو الجماعات المحلية أو المؤسسات العمومية أو الجماعات السلالية كما نص على ذلك الفصل 11 من نفس الظهير. وتخضع الجماعات السلالية من حيث التدبير والتسييرإلى وصاية وزارة الداخلية، ويمثلها نواب يعتبرون الممثلين الشرعيين والمخاطبين الرئيسيين لجماعتهم.

أما عن الوضعية القانونية لأراضي الجماعات السلالية فهي إما عقارات غير محفظة أو في طور التحفيظ وإما أراضي محفظة طبقا لظهير 9 رمضان 1331 (12 غشت 1913) المتعلق بالتحفيظ العقاري كما وقع تغييره وتتميمه أو أراضي محددة طبقا لظهير 12 رجب 1342 (24 فبراير 1924) بمثابة قانون يتعلق بتحديد أراضي الجماعات السلالية والتي يمكن تحفيظها بعد  المصادقة على تحديدها الإداري، إذ ينص الفصل 10 من ظهير 18 فبراير 1924 المذكور على أن الأراضي الجماعية المصادق عليها بموجب قرار وزيري يمكن تحفيظها بعد مراجعة تحديدها ومسح تصميمها العقاري من طرف مصلحة المحافظة العقارية.

  • أراضي الكيش

وهي أراضي توضع رهن إشارة الجيش العام للسلطان، الذي يتلقى مقابل الخدمات  العسكرية امتيازات عقارية على أرض المخزن في شكل منفعة دون دفع أي مقابل مع احتفاظ السلطان أي المخزن بملكية الرقبة، وهو امتياز غير قابل للانتقال بالإرث أو التفويت لأنه تخصيص شخصي، وهو تخصيص يتم وقف العمل به عند الوفاة وأنه بإمكان إعادة منح هذا الامتياز إلى أحد أبناء الهالك إذا ما عوض أباه في الجيش.

أما من حيث الإطار القانوني الذي يحكم أراضي الكيش فبعد أن استثنى ظهير 27 أبريل 1919 كما وقع تغييره وتتميمه المتعلق بأراضي الجموع في فصله 16 سريان تطبيق مقتضيات هذا الظهير على أراضي الكيش، حيث تضمن ما يلي : ’’ لا تجري مقتضيات ظهيرنا الشريف هذا على الأراضي المختصة بالكيش ولا على الغابات التي تتصرف فيها العشائر الأصلية على وجه الاشتراك بينها ، بل تبقى هذه الأراضي غير قابلة للتفويت، وسيصدر إن اقتضى الحال قرار من وزيرنا الصدر الأعظم في ضبط حق التصرف فيها لمن ذكر.

ونص ظهير 19 أكتوبر 1937 لا تمنع المقتضيات السابقة المكلف بالولاية على الجماعات من القيام بماله من التفويضات للدفاع عن مصالح تلك الجماعات.

وعملا بهذه المقتضيات فقد تمت إعادة أراضي الكيش إلى دائرة أراضي الجموع واعتبر الجماعات الأصلية المتعلقة بحق الانتفاع على هذه الأراضي تحت وصاية الدولة ممثلة بوزارة الداخلية ، وذلك لاعتبار أن الكيشيين هم في الأصل جماعات سلالية، وبالتالي تنطبق عليهم نفس المقتضيات الخاصة بتدبير وتسيير الممتلكات التابعة للجماعات الأصلية كما ينص على ذلك ظهير 27 أبريل 1919 كما وقع تغييره وتتميمه.

المبحث الثاني: استراتيجية تعميم نظام التحفيظ العقاري

وجد المغرب نفسه مباشرة بعد الاستقلال أمام وضع تميز من حيث التشريع بالتعدد والتشتت، وكان مقسما إلى أربعة مناطق كل منطقة كانت خاضعة لتشريعات وأنظمة مختلفة:

  • المنطقة الجنوبية للحماية الفرنسية بمقتضى معاهدة فاس المؤرخة في 30 مارس 1912.
  • المنطقة الشمالية الخاضعة للحماية الإسبانية بناء على معاهدة مدريد المؤرخة في 27 نونبر 1912.
  • منطقة طنجة الخاضعة للنظام الدولي المحدث بتاريخ 18 دجنبر 1923.
  • الأقاليم الجنوبية وكانت خاضعة للحماية الإسبانية، فإلى جانب النظام الشرعي طبق بهذه الأقاليم النظام الإسباني الذي كان يشبه في أشياء كثيرة ظهير 12 غشت 1913 المتعلق بالتحفيظ العقاري الذي كان ساريا بمنطقة الحماية الفرنسية.

ولبسط سيادته على كافة التراب الوطني وجعل المواطنين يخضعون لقوانين موحدة في مختلف المجالات، قام المغرب في السنوات الأولى من الاستقلال بعدة تدابير كان الهدف منها توحيد التشريع ومغربة القضاء وتوحيد المحاكم وتعريب القوانين فأصدر عدة قوانين منها على وجه الخصوص.

  • الظهير الشريف رقم 100-58-1 بتاريخ 12 ذي القعدة 1377 (31 ماي 1958) القاضي بتوحيد التشريع بمجموع التراب الوطني.
  • القانون رقم 64-3 بتاريخ 22 رمضان 1384 ( 26 يناير 1965 )المتعلق بتوحيد المحاكم.

إن توحيد التشريع  مرعمليا بعدة مراحل واستعملت في ذلك عدة آليات يمكن إيجازها فيمايلي :

أولا : تمديد نظام التحفيظ العقاري إلى كافة التراب الوطني

إن تمديد العمل بنظام التحفيظ العقاري الذي كان معمولا به في منطقة الحماية الفرنسية إلى باقي المناطق تم بصدور عدة مقتضيات قانونية وتنظيمية حسب كل منطقة:

  • منطقة طنجة الدولية سابقا عرفت صدور القرار الوزاري المؤرخ في 18 غشت 1960 تم بمقتضاه تمديد العمل بنظام التحفيظ العقاري وكذا التشريع المطبق على العقارات المحفظة، ويمكن القول أن هذه العملية مرت بكيفية سلسة ولم تعرف إشكاليات تذكر لكون مقتضيات النظام الذي كان مطبقا بهذه المنطقة لا يختلف في مبادئه عن ظهير التحفيظ العقاري المؤرخ في 12 غشت 1913 .
  • منطقة الشمال وكانت خاضعة للحماية الإسبانية التي كان يطبق بها الظهير الخليفي المؤرخ في فاتح يونيو 1914 الذي كان  يرتكز على عدة مبادئ يمكن حصرها فيما يلي:
  • مسك سجل بمقر كل محكمة ابتدائية قصد تسجيل العقارات من طرف مكلف يدعى “ريجيسترادور” بمعنى سجل عقاري ويقابله في ظهير التحفيظ العقاري المحافظ على الأملاك العقارية.
  • اختيارية التحفيظ العقاري؛
  • وضع مسطرة خاصة لإشهار الحقوق العينية المترتبة على العقار في طور التحفيظ؛
  • تأسيس رسم خليفي للعقار بعد استيفاء الإجراءات المسطرية؛
  • قابلية الرسم الخليفي للطعن ما لم يتم تقييد لاحق يخول المستفيد منه الصفة النهائية.
  • إنجاز التحديد والتصاميم للرسم الخليفي من طرف مساح من القطاع الخاص وتكون مصاريف ذلك على عاتق طالب التحفيظ.
  • عدم ارتباط التصاميم المؤسسة في إطار الظهير الخليفي المذكور بالإحداثيات المعروفة بإحداثيات لامبير ‘’ Coordonnées Lamberts ‘’ جعل هذه التصاميم لا تتوفر على الدقة المطلوبة للاعتماد عليها مثلا في إعادة الحدود وحل المنازعات.

فبالإضافة إلى الإدارة القوية للسلطة الحكومية في توحيد التشريع كما ذكر أعلاه، فإن تطبيق الظهيرالخليفي المذكور أبان عن عدة عيوب ونواقص خاصة على مستوى ضمان وحماية الحقوق وعدم الدقة في إنجاز وثائق الرسم الخليفي الذي كان لا يكتسي صبغة نهائية إلا بعد مرور 10 سنوات على تأسيسه أو بعد تفويته لشخص ثان وتقييده بالرسم الخليفي .

وقد تم تمديد نظام التحفيظ العقاري إلى منطقة الحماية الإسبانية بصدور نصوص قانونية تتجلى فيما يلي:

  • المرسوم الملكي بمثابة قانون رقم 114.66 المؤرخ في 9 رجب 1386 (24 أكتوبر 1966)حيث تم بموجبه تمديد تطبيق نظام التحفيظ العقاري المعمول به في المنطقة الجنوبية إلى المنطقة السابقة للحماية الإسبانية. وقد نص هذا المرسوم على مقتضيين هامين :

الأول يتعلق بتمديد ظهير 12 غشت 1913 المتعلق بالتحفيظ العقاري والنصوص اللاحقة به إلى المنطقة الشمالية الخاضعة سابقا للحماية الإسبانية.

والثاني نص على إعادة تحديد العقارات موضوع رسوم خليفية طبقا لمسطرة خاصة تهدف إلى تأسيس تصاميم عقارية قارة مرتبطة بالشبكة الجيوديزية.

وفي الحقيقة جاء هذا المرسوم لتوفير الحماية لحائزي الرسوم الخليفية المتوفرة على أحد الشرطين الأول الرسوم الخليفية التي مر على تأسيسها أزيد من 10 سنوات إلى تاريخ 24 أكتوبر 1966 والشرط الثاني أن تكون هذه الرسوم بنفس التاريخ متوفرة على تقييد لاحق إذ لا يمكن الطعن فيها إلا فيما يخص حدودها، وتبقى الرسوم الخليفية التي لا تتوفر على الشرطين المذكورين قابلة للطعن.

  • الظهير الشريف بمثابة قانون رقم 1-75-301 بتاريخ 19 شتنبر 1977 بمقتضاه تم إلغاء مقتضيات مرسوم 24 أكتوبر 1966 المذكور باستثناء الفصل الأول منه والمتعلق بتمديد نظام التحفيظ العقاري والنصوص اللاحقة به إلى المنطقة الشمالية الخاضعة سابقا للحماية الإسبانية، وقد تضمن هذا القانون مقتضيات من أهمها:
  • تمكين حاملي الرسوم الخليفية داخل أجل سنة من إيداعها بالمحافظة العقارية قصد تحويلها إلى مطالب تحفيظ بالمجان وإخضاعها لمسطرة التحفيظ المنصوص عليها في ظهير التحفيظ العقاري.
  • أن الرسوم الخليفية التي لم يتم إيداعها بالمحافظة العقارية داخل أجل سنة تعتبر سندات عقارية غير محفظة.
  • الرسوم الخليفية التي تم تحويلها إلى مطالب التحفيظ أو التي لم يتم إيداعها بالمحافظة العقارية أصبحت قابلة لإقامة تعرض عليها سواء كان كليا أو جزئيا من طرف كل من يهمه الأمر.

إلا أن تطبيق الظهير الشريف رقم 1.75.301 المذكور كان بدوره موضوع انتقادات من طرف حائزي الرسوم الخليفية لكونه مس بحجية الملكية الذي أقرته هذه الرسوم رغم توفرها على أحد الشرطين المنصوص عليهما في الفصل 12 من المرسوم رقم 66-114المذكورة يعني أقدمية 10 سنوات أو وجود تقييد ثان بتاريخ 24 أكتوبر 1966.

لذلك تقرر العودة للعمل  بمقتضيات الفصل 12 من المرسوم الملكي المشار إليه أعلاه وذلك بمنح أجل سنتين ابتداء من تاريخ نشر هذا التعديل بالجريدة الرسمية كما تم توضيح النزاع المتعلق بالحدود الذي لا يتجاوز عرضها مليمترا واحدا حسب مقياس التصميم المحدد للعقار وذلك على طول الخط المتنازع عليه .

كما تم استلزام إشفاع الرسوم الخليفية التي مر على تأسيسها أزيد من 10 سنوات إلى غاية 24 أكتوبر 1966 أو تلك التي تتوفر على تقييد لاحق بنفس التاريخ بعقد استمرار يتم الإشهاد فيه على أن حائز الرسم الخليفي هو المتصرف الحالي للعقار ولن تقبل المنازعة في هذه الحالة إلا من طرف الجوار وبخصوص الحدود.

  • الظهير الشريف رقم 1.89.167 صادر في 13 من جمادى الأولى 1413 (9 نوفمبر 1992) بتنفيذ القانون رقم 2.78 المتعلق بتغيير وتتميم الظهير الشريف رقم 1.75.301 الصادر في 5 شوال 1397 (19 شتنبر 1977)بمثابة قانون يغير بموجبه المرسوم الملكي رقم 114.66 الصادر في 9 رجب 1386 ( 24 أكتوبر 1966)بمثابة قانون يطبق بموجبه نظام التحفيظ العقاري في المنطقة الخاصة سابقا للحماية الإسبانية.

وقد تناول التغيير أحكام الفصلين 3 و 6 من الظهير الشريف المعتبر بمثابة قانون رقم 1.75.301 المذكور أعلاه بتغيير المرسوم الملكي المعتبر بمثابة قانون رقم 114.66 المشار إليه أعلاه، حيث أصبح الأجل المحدد لإيداع صكوك الملكية المسلمة من طرف المكلفين بالتسجيل العقاري سنتين ابتداء من نشر القانون رقم 1.89.167 المذكور بالجريدة الرسمية. كما نص كذلك على أن الصكوك العقارية التي مر على تحريرها أكثر من 10 سنوات في تاريخ نشر المرسوم المذكور والتي تتضمن في نفس الوقت أن التقييد اللاحق المرفق برسم استمرار الحيازة الشرعية في كلتا الحالتين لا يمكن أن تكون موضوع منازعة إلا فيما يتعلق بالحدود، على أن يصدر ذلك فقط من جيران العقار المعني، أما الرسوم التي لا تتوفر فيها الشروط المذكورة يمكن أن تكون محل منازعة من طرف أي شخص يعنيه الأمر سواء فيما يتعلق بالحدود أو بحق الملكية.

كما أن المادة الثالثة من القانون رقم 1.89.167 المذكور تممت الفصل 7 من الظهير الشريف المذكورالمعتبر بمثابة قانون رقم 1.75.301 وذلك من أجل معالجة حالة تداخل الرسوم الخليفية مع الرسوم العقارية المؤسسة في إطار ظهير التحفيظ العقاري معتبرة أنه في حالة ما إذا تبين أنه تم تأسيس رسم لقطعة داخل عقار موضوع له رسم خليفي، فإن الرسم العقاري يطهر الملك المعني من ادعاءات حاملي عقود لم يتم الإدلاء بها خلال الأجل المطلوب.

3 – الأقاليم الجنوبية وكما أشير إلى ذلك رغم أنها كانت خاضعة للحماية الإسبانية فقد طبق بها إلى جانب النظام الشرعي نظام آخر مخالف للنظام الخليفي، إلا أنه بعد استرجاع الأقاليم الجنوبية تم تطبيق ظهير 12 غشت 1913 المتعلق بالحفيظ العقاري ودون أي مساس بالحقوق المكتسبة. وقد تم بالنسبة لمنطقة سيدي إيفني تمديد تطبيق نظام التحفيظ العقاري بموجب ظهير 19 يناير 1970 وظهير 2 يناير 1974. كما تم أيضا صدور الظهير الشريف بمثابة قانون رقم 110-77-1 بتاريخ 9 أكتوبر 1977 المتعلق بتحديد بعض الكيفيات الخاصة بتطبيق نظام التحفيظ العقاري بأقاليم العيون بوجدور السمارة، الذي حدد أجل جديد لتطبيقه بمقتضى القانون رقم 78-13 المنفذ بظهير شريف رقم 1-79-226 بتاريخ 9 نونبر 1979. وبالنسبة لإقليم وادي الذهب فقد صدر القانون رقم 80-36 يتعلق بتحديد الإجراءات الانتقالية لتطبيق نظام التحفيظ العقاري تنفيذا للظهير الشريف رقم 115-82-1 بتاريخ 6 ماي 1982.

ثانيا: تدابير تعميم التحفيظ العقاري

إن تعميم التحفيظ العقاري ليعتبر في الحقيقة مشروعا استراتيجيا ومطمحا قويا وآلية فعالة وناجعة نحو تشريع موحد لوضع حد لازدواجية النظام العقاري لطالما تنادي به السلطات العليا في البلاد كما أمرت به الرسالة الملكية السامية المؤرخة في يوم السبت 23 صفر 1437هـ الموافق 5 دجنبر 2015م  والموجهة إلى المشاركين في المناظرة الوطنية حول موضوع  السياسة العقارية للدولة ودورها في التنمية الاقتصادية والاجتماعية المنعقدة بالصخيرات الرباط بتاريخ 8 و 9 دجنبر 2015، ومما جاء في هذه الرسالة  ”وعملا على تعزيز الأمن العقاري، وتحصين الملكية العقارية، والرفع من قيمتها الاقتصادية والائتمانية، فإنه يتعين العمل على مضاعفة الجهود، من أجل الرفع من وتيرة التحفيظ العقاري، في أفق تعميمه على كافة التراب الوطني، كما ينبغي استثمار التكنولوجيا الرقمية، التي يشهدها عالم اليوم، في مجال ضبط البنية العقارية، وتأمين استقرارها وتداولها “.

ومن أجل الوصول إلى هذا المبتغى تم اتخاذ عدة تدابير قانونية وهيكلية ولوجيستيكية وتواصلية وتدبيرية، وقد صاحب ذلك عصرنة وتحديث وسائل العمل.

  1. على مستوى التشريع

تم ذلك عن طريق توفير عدة مقتضيات قانونية يمكن إيجازها فيمايلي:

أولا :التحفيظ المجموعي

من بين الآليات الأولى التي وضعت رهن إشارة المالكين من أجل الاستفادة من مزايا التحفيظ العقاري عملية التحفيظ المجموعي أو الإجمالي المنصوص عليها في الفصل 16 من الظهير الأساسي للتحفيظ العقاري حيث يمكن بمقتضاه لعدة مالكين الاتفاق على تحفيظ عقاراتهم شريطة أن تكون هذه العقارات متجاورة أو تفصل بينها فقط أجزاء من الملك العمومي.

وقد عرفت هذه المسطرة تطبيقات منذ 1956 وتمتاز بمزايا عديدة يمكن تلخيصها فيما يلي:

  • التخفيض في أداء وجيبات التحفيظ والتي تكون في حدود%50 فقط من التعريفة الجاري بها العمل.
  • إنجاز الإجراءات بكيفية مجتمعة مما يكون له وقع على ترشيد مصاريف العملية.
  • السرعة في إنجاز الإجراءات ومعالجة الملفات.

وكانت هذه المزايا من بين الأسباب التي كانت وراء تحريك عملية التحفيظ المجموعي والانتقال بها إلى بداية إرساء دعائم التحفيظ الجماعي وذلك بتوجيه رسالة بتاريخ 15 مارس 1958 من وزير الداخلية إلى بعض عمال أقاليم المملكة بين فيها مزايا هذه المسطرة وحثهم على اختيار مناطق للتحفيظ الجماعي والعمل على توفير ظروف نجاحها وذلك بتنسيق مع السلطات المحلية والجهاز المكلف بالتحفيظ.

ثانيا : التحفيظ الجماعي

إن النتائج المرضيالمحققة إثر تطبيق التحفيظ الإجمالي بعدة مناطق كسيدي يحيى ودار الكداري وحد كورت إلى غير ذلك من المناطق حيث وصل عدد مطالب التحفيظ المودعة إلى حوالي 15000لمساحة 54000 هكتار زاد الاهتمام أكثر بعملية التحفيظ الجماعي في الوقت الذي تزامن ذلك مع بداية العمل على إعداد ترسنة من القوانين بمثابة ميثاق الاستثمارات الفلاحية حيث تم التنصيص في ديباجة الظهير الشريف رقم 1.69.25 بتاريخ 10 جمادى الأولى 1389 (25 يوليوز 1969) بمثابة ميثاق للاستثمارات الفلاحية، على أن عمليات التحفيظ العقاري من بين القطاعات التي ستحظى باهتمام الدولة ومساعدتها.

لذلك كان الظهير الشريف رقم 1.69.174 بتاريخ 10 جمادى الأولى 1389 (25 يوليوز 1969) بشأن التحفيظ الجماعي للأملاك القروية من بين النصوص القانونية المؤطرة للاستثمار الفلاحي.

ويعتبر التحفيظ الجماعي بمقتضى الظهير المذكور آلية فعالة لتعميم التحفيظ العقاري بالمناطق القروية ويمتاز بما يلي:

  • المجانية والإعفاءات من وجيبات التحفيظ شريطة أن يتم إيداع مطلب التحفيظ داخل أجل سنة من تاريخ نشر قرار فتح منطقة التحفيظ الجماعي بالجريدة الرسمية إلى أن هذا الأجل يمكن تمديده إلى 6 أشهر، أما المصاريف الناتجة عن التعرض فلا تستفيد من الإعفاء؛
  • الإشهار الواسع المميز لعملية التحفيظ الجماعي؛
  • تحمل الإدارة تكاليف جميع الأعمال المتعلقة بالبحث التقني والقانوني ؛
  • إمكانية إنجاز شهادة بالملك بعين المكان بحضور السلطة المحلية بالنسبة للذين يتوفرون على سندات تفيذ تملكهم؛
  • السرعة في إنجازالإجراءات لكون ذلك يتم بكيفية مجتمعة مقارنة مع المسطرة العادية.
  • قلة التعرضات وذلك راجع للكيفية التي تنجز بها عملية التحفيظ حيث تعرف حضور جميع الأطراف بعين المكان.

أما من حيث الفوائد فإن التحفيظ الجماعي يساهم في توحيد النظام العقاري ومعرفة البنيات العقارية وتوضيح وضعيتها القانونية، مما يعمل على الرفع من القيمة المضافة للعقار ويكسبه ضمانة قوية تساعد الفلاحين على استثمار عقاراتهم بالحصول على افتراضات بنكية.

وقد ساهم التحفيظ الجماعي منذ أن بدأ العمل به في الرفع من وتيرة التحفيظ خاصة بعد أن تبنت الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية منذ سنة 2008 استراتيجية تجلت في العمل بالتغطية الشاملة، وأصبحت برمجة عملية التحفيظ تشمل الجماعة القروية بكاملها بدلا مما كان يعمل به في السابق حيث كانت عملية التحفيظ الجماعي تهم فقط مثلا جزءا من الجماعة وهو ما أدى إلى انتقادات كثيرة من طرف باقي دواوير الجماعة الغير المستفيدة من العملية لذلك فإن تغطية الجماعة بكاملها وضع حدا لهذه الانتقادات من جهة وساهم من جهة أخرى إلى اتساع رقعة التحفيظ أكثر.

وقد أدت هذه الاستراتيجية إلى مردودية مهمة، وهكذا فمنذ سنة 2008 تمت تغطية 162 جماعة قروية لمساحة 1.200000 هكتار وعدد المناطق وصل إلى 289 بمساحة 3.909778هكتار وعدد المطالب 476202 .

ثالثا: ضم الأراضي الفلاحية بعضها إلى بعض

إن الغاية من ضم الأراضي الفلاحية بعضها إلى بعض تتجلى في تحسين أساليب استغلالها عن طريق جمع وإعادة توزيع القطع المتفرقة لتكوين أملاك موحدة الأطراف أو أملاك تشتمل على قطع كبيرة بشكل يساعد الوصول إليها وريها وصرف المياه بالاستفادة من التحسينات والتجهيزات العقارية[18] وهي باختصاركما عرفها الفقيه الفرنسي Paul Beneteau  على أن الضم عملية تتجلى في التقليل من تشتيت وتقسيم الأراضي أو تعديل تضاريسها من أجل تسهيل الإنتفاع المعقول بها .[19]

أما فيما يخص الإطار التشريعي لضم الأراضي فإن المقتضيات القانونية المؤطرة لهذه العملية تشمل عدة نصوص قانونية منها الظهير الشريف 1.62.105 بتاريخ 27 محرم 1382 ( 30 يونيو 1962) بشأن ضم الأراضي الفلاحية بعضها إلى بعض والمرسوم رقم 1.69.32.240 بتاريخ 22 صفر 1382 (25 يوليوز 1962) المتعلق بتطبيق الظهير المنظم لعملية الضم.

ويشكل الظهير الشريف المذكور وكذا الظهير الشريف الصادر بتاريخ 25 يوليوز 1969 بمثابة قانون الاستثمارات الفلاحية والمرسوم المذكور مقتضيات أساسية لعملية الضم تضمنت المراحل والجهات المتدخلة في إنجاز عملية الضم وكذا حقوق الملاك على العقارات المضمومة وكذا التصرفات الواردة على هذه العقارات.

وقد أبان تطبيق هذه المقتضيات عدة إشكاليات تتعلق بصفة خاصة بالجمود الذي يعرفه العقار خلال مراحل إنجاز عملية الضم إلى غاية المصادقة ويتجلى في فترة منع التصرفات المنصوص عليها في الفصل 4 من ظهير 25 يوليوز 1969، ثم الخلاف على مستوى الممارسة بالنسبة لإشكالية التعرض الاستثنائي وكذا كيفية استئناف المسطرة في إسم المتعرض الذي قضي بصحة تعرضه،إلى أن المحافظ العام على الملكية العقارية سبق له أن وحد العمل بين المحافظين على الملكية العقارية عن طريق الرسالة الدورية عدد 1122 بتاريخ 26/10/78 حيث أجازت قبول التعرض الاستثنائي ضد مطالب التحفيظ الواقعة في مناطق الضم على اعتبار أن هذا التعرض ذو مأخذ عام ويهم العقار بغد النظر عن موقعه من حيث المسطرة المطبقة عليه على أن تراعى في ذلك المقتضيات المنصوص عليها في الفصل 29 من ظهير التحفيظ العقاري المذكور كما وقع تغييره وتتميمه.

أما فيما يخص التعرض المحكوم بصحته في مناطق الضم فلم يعد هناك خلاف بين المحافظين فقد عملت الدورية عدد 404 بتاريخ 7 يوليوز 2015 الصادرة كذلك عن المحافظ العام على توحيد العمل بين المحافظين وذلك بتبني نشر خلاصة إصلاحية لهذا الحق طبقا للمقتضيات المنصوص عليها في المسطرة العادية للتحفيظ العقاري.

رابعا : التحفيظ الإجباري

للرفع من وتيرة التحفيظ سعيا لتعميمه وتحسين البنيات العقارية عمل المشرع على إلزامية التحفيظ العقاري ونص في الفصل 7 من القانون رقم 1407 المغير والمتمم لظهير التحفيظ العقاري على أن التحفيظ يكون إجباريا:

  • في الحالات المنصوص عليها في قوانين خاصة.
  • في المناطق التي سيتم فتحها لهذه الغاية وهي حالة التحفيظ الإجباري التي تنظمها مقتضيات الفصول من 51/1 إلى 51/19 من القانون 07 المذكور وكذا المواد من 5 و6 و7 و 8 من المرسوم رقم 2.13.18 الصادر في 16 من رمضان 1435 (14 يوليو 2014) في شأن إجراءات التحفيظ العقاري.

وتتلخص مزايا التحفيظ الإجباري فيمايلي:

  • القيام بإنجاز الإجراءات التقنية والقانونية مجتمعة؛
  • مجانية كل الخدمات؛
  • السرعة في معالجة الملفات؛
  • إمكانية إقامة شهادات إدارية مسلمة من طرف السلطة المحلية بالنسبة للملاك الذين لا يتوفرون على سندات التملك؛
  • عندما تأمر به المحاكم المختصة أثناء متابعة إجراءات الحجز العقاري في مواجهة المحجوزعليه ( الفصل 8 ظ ت ع).
  • ç الحالات المنصوص عليها قانونا:
  • التحفيظ الإجباري لتأكيد التعرض على التحديد الإداري لملك الدولة الخاص طبقا لمقتضيات ظهير فاتح يناير 1916 المتعلق بتحديد ملك الدولة الخاص.
  • التحفيظ الإجباري كذلك لتأكيد التعرض على التحديد الإداري لأراضي الجماعات السلالية كما هو منصوص عليه في ظهير 18 فبراير 1924 المتعلق بتحديد أراضي الجماعات السلالية.
  • التحفيظ الإجباري للعقارات التي تكون موضوع تجزئة ( المادة 5 من القانون 25.90 المتعلق بالتجزئات العقارية والمجموعات السكنية وتقسيم العقارات).
  • التحفيظ الإجباري في إطار عملية ضم الأراضي الفلاحية ـ الفصل 4 من ظهير 30 يونيو 1962 المتعلق بضم الأراضي الفلاحية بعضها إلى بعض.
  • ضرورة تحفيظ العين المعاوض بها من أجل إجراء أي معاوضة عينية للأوقاف العامة ( كما تنص على ذلك المادة 72 من الظهير الشريف رقم 1.09.236 صادر في 8 ربيع الأول 1431 (23 فبراير 2010) المتعلق بمدونة الأوقاف.

إلا أنه يلاحظ أن أغلب هـذه الحالات لا تطبق إلا نادرا،كما أن حالــة التحفيظ الإجباري التــي تضمنها القانون 07-14 المذكور لم يقع تفعيلها.

خامسا: تشجيع التحفيظ العقاري

وهي عملية تمت بمقتضى المنشور المشترك رقم 24 بتاريخ 18 دجنبر 1985 بين وزارة الداخلية ووزارة العدل ووزارة المالية ووزارة الفلاحة تضمن تدابير استثنائية في القانون التعديلي للمالية سنة 1983 تمثلت في تعديل مقتضيات الفصل 94 من مدونة التسجيل بمقتضى الظهير الشريف المؤرخ في 29 يوليوز 1983، إذ كان الهدف من هذه التدابير تشجيع التحفيظ في العالم القروي عن طريق إقامة ملكية خاصة بالنسبة للفلاحين الذي لا يتوفرون على سندات التملك من أجل التحفيظ مع الاستفادة من تخفيض مهم في وجيبات التسجيل والمحافظة، وقد تم العمل بهذا الإجراء عدة سنوات ووصل عدد مطالب التحفيظ المودعة حوالي  40.000 مطلب.

سادسا : تعديل التشريع

إن الإطار القانوني المنظم للتحفيظ العقاري والنصوص القانونية المرتبطة به عرف عدة تعديلات عبر محطات عديدة أمثلها ضرورة المواكبة للتطور الذي يعرفه المغرب في المجالات الاقتصادية والاجتماعية وكذا دعم سياسة تعميم التحفيظ العقاري وهو طموح كان ولا زال محط انشغال واهتمام السلطات الحكومية، ولعل أهم تعديل عرفه ظهير التحفيظ العقاري المؤرخ في 9 رمضان 1331 (12 غشت 1913) ما تم بمقتضى الظهير الشريف رقم 1.11.177 الصادر في 25 من ذي الحجة 1432 (22 نوفمبر 2011) بتنفيذ القانون 14.07، المنشور بالجريدة الرسمية عدد 5998 بتاريخ 27 من ذي الحجة 1432 (24 نوفمبر 2011) المغير والمتمم لظهير التحفيظ العقاري المذكور، وتتلخص أهم محاور التعديل فيمايلي:

  1. تبسيط الإجراءات:
  • حذف شهادات التعليق المتعلقة بمسطرة التحفيظ وتعويضها بالإشعار بالتوصل بهدف تفادي التأخير في البت في مطالب التحفيظ من طرف المحافظ، الذي كان عليه انتظار التوصل بشهادات تعليق الإعلانات عن التحديد وعن انتهاء التحديد من طرف السلطة المحلية والمحكمة المختصة (الفصل 18)؛
  • تعيين المحافظ على الملكية العقارية أو نائبه أثناء عملية التحديد، كجهة وحيدة مختصة لقبول التعرضات (الفصل 23)؛
  • جعل المحافظ على الملكية العقارية وحده المختص لتلقي التعرضات خارج الأجل، وحذف إمكانية قبول هذا التعرض من طرف وكيل الملك توخيا لضمان السرعة في معالجة مطالب التحفيظ (الفصل 29)؛
  • اللجوء إلى القوة العمومية، بطلب من المحافظ أو كل من له مصلحة، في حالة منع إجراء عملية التحديد (الفصل 20)؛
  • تمكين المحافظ من اتخاذ قرار التحفيظ تلقائيا بالنسبة للأجزاء الخالية من النزاع (الفصل 31)؛
  • اعتبار هوية الأطراف محققة أيضا إذا كانت العقود المدلى بها مصادق عليها من طرف السلطات المختصة (الفصل 73)؛
  • التنفيذ الفوري للأوامر الاستعجالية القاضية بالتشطيب على الحجوزات والإنذارات العقارية (الفصل 87)؛
  • التشطيب على التقييد الاحتياطي بمقتضى أمر صادرعن رئيس المحكمة الابتدائية بصفته قاضيا للمستعجلات (الفصل 86).
  1. تسريع إنجاز الإجراءات ( المحافظ وطالب التحفيظ والمتعرضين) بالنسبة للمحافظ:
  • توجيه نسخ خلاصة المطلب والإعلان عن التحديد إلى رئيس المحكمة الابتدائية، ممثل السلطة المحلية ورئيس الجماعة، عشرين يوما قبل التاريخ المحدد لإنجاز عملية التحديد، من أجل تعليقها بمقراتهم، وذلك لضمان إشهار أوسع (الفصل 18)؛
  • اتخاذ قرار التحفيظ داخل أجل ثلاثة أشهر الموالية لانصرام أجل التعرض، وذلك بعد استيفاء كافة الإجراءات المسطرية دون تضمين أي تعرض (الفصل 30)؛
  • توجيه ملف مطلب التحفيظ المثقل بتعرض أو أكثر إلى المحكمة الابتدائية من أجل البت فيها، وذلك داخل أجل ثلاثة أشهر الموالية لانصرام أجل التعرض (الفصل 32).

بالنسبة لطالب التحفيظ:

  • الإدلاء بعذرمقبول يبرر غيابه في اليوم المحدد لإنجاز عملية التحديد أو عدم قيامه بما يلزم لإجراء هذه العملية، داخل أجل شهر من تاريخ توصله بالإنذار الموجه له لهذه الغاية من طرف المحافظ، وذلك تحت طائلة إلغاء مطلبه (الفصل 23)؛
  • الإدلاء بما يفيد رفع اليد عن التعرضات أو قبولها داخل أجل شهر الموالي لانصرام أجل التعرض (الفصل 31)؛
  • حرصه على متابعة إجراءات مسطرة التحفيظ تحت طائلة إلغاء مطلبه، وذلك داخل أجل ثلاثة أشهر الموالية لتاريخ تبليغه بالإنذار الموجه له لهذه الغاية من طرف المحافظ (الفصل 50).

بالنسبة للمتعرض:

  • الإدلاء بالسندات والوثائق المدعمة لتعرضه داخل أجل شهر الموالي لانصرام أجل التعرض (الفصل 25)؛
  • أداء الرسوم القضائية وحقوق المرافعة أو إثبات حصوله على المساعدة القضائية داخل أجل شهر الموالي لانصرام أجل التعرض (الفصل 25).

3 – تقوية الضمانات:

  • فتح إمكانية التعرض على حق وقع الإعلان عنه طبقا لمقتضيات الفصل 84 (الفصل 24)؛
  • الحد من إمكانية تقديم التعرض خارج الأجل، وذلك بإخضاعها لضوابط محددة واستلزام حجج تتوفر لها قوة ثبوتية؛
  • يجب على المتعرض تدعيم تعرضه بحجج إثبات قوية وبيان الأسباب التي حالت دون تقديم التعرض قبل انصرام أجل الشهرين المواليين لنشر الإعلان عن انتهاء التحديد بالجريدة الرسمية، وأداء الوجيبات وحقوق المرافعة فورا (الفصل 29) ما لم يتم الحصول على المساعدة القضائية.
  • معاقبة كل من يتقدم بسوء نية أو كيد أو تعسف بطلب تحفيظ أو تعرض أو تقييد احتياطي؛
  • إلزام المحافظ على الملكية العقارية بتعليل قراراته المتعلقة برفض التحفيظ أو رفض التقييد أو التشطيب وضرورة تبليغ القرارات المذكورة إلى الأطراف المعنية قصد تمكينها من الطعن فيها أمام القضاء، عند الاقتضاء (الفصل 96)؛
  • تغطية مسؤولية المحافظ العام والمحافظين على الملكية العقارية، في حالة عسرهم، من طرف صندوق التأمين، وذلك لضمان التعويض عن الأخطاء المرتكبة سواء على مستوى إجراءات مسطرة التحفيظ أو بمناسبة إنجاز التقييدات (الفصل 100)؛

سابعا: الإعفاء وتخفيض وجيبات التحفيظ العقاري

تشجيعا وتعميما للتحفيظ العقاري فقد تم العمل بالمجانية والإعفاء من وجيبات التحفيظ العقاري في حالات عديدة (إيداع مطالب التحفيظ في إطار التحفيظ الجماعي والإجباري وضم الأراضي والملك العام للدولة والوقف العام والملك الخاص للدولة معفى من أداء الوجيبات على جميع الخدمات ).

كما تم التخفيض في وجيبات التحفيظ في حالة التحفيظ الإجمالي( الفصل 16 من ظهير التحفيظ العقاري) وفي حالة إرفاق مطلب التحفيظ بملكية خاصة مقامة من أجل التحفيظ في إطار المنشور المشترك رقم 24 المشار إليه أعلاه.

كما أن بعض العمليات لا تؤدى عنها وجيبات الإيداع أو التقييد بحسب القيمة كاملة بل يؤدى عنها فقط وجيبات قارة كما هو الحال بالنسبة لإيداع أو تقييد الإراثة.

  1. على مستوى الهيكلة

عرف الجهاز المكلف بالتحفيظ العقاري تطورا كبيرا فيما يتعلق بالهيكلة سواء على مستوى الإدارة المركزية أو المصالح الخارجية.

فعلى المستوى المركزي، فبمقتضى الظهير الشريف الصادر بتاريخ 28 غشت 1915 صدر ظهير شريف أحدثت بموجبه ‘‘ إدارة الفلاحة والتجارة والاستعمار وإدارة المياه والغابات وإدارة الأملاك وإدارة المحافظة العقارية ‘‘ تحت وصاية الكتابة العامة للدولة الحامية.

 وبتاريخ 24 يوليوز 1920، صدر ظهير شريف تحت عنوان: ‘‘ في إحداث إدارة للفلاحة والتجارة والاستعمار ‘‘ جاء في الفقرة الثانية من فصله الثاني ما يلي: ” تضم إدارة الفلاحة والتجارة والاستعمار إدارة المياه والغابات وإدارة المحافظة على الأملاك العقارية “.

وبقيت المحافظة العقارية تابعة منذ إحداثها لوزارة الفلاحة إلى أن صدر ظهير شريف بتاريخ 28 مارس 1935، ألحقت بموجبه مصلحة المحافظة على الأملاك العقارية بالإدارة العامة للمالية، ثم ألحقت بعد ذلك بإدارة الشؤون الاقتصادية بمقتضى ظهير 15 يونيو 1937 لتعود بعد ذلك إلى إدارة المنتوجات الفلاحية بمقتضى ظهير 16 يونيو 1942 لتشكل مصلحة المحافظة العقارية وهندسة الأراضي.

وبمقتضى ظهير 30 يونيو 1962، تم الارتقاء بجهاز المحافظة العقارية من مصلحة إلى قسم بوزارة الفلاحة، ثم إلى مديرية المحافظة العقارية والأشغال الطبوغرافية تابعة لوزارة الفلاحة وذلك بمقتضى مرسوم 29 سبتمبر 1977، وهذا ما تم تأكيده بمقتضى مرسوم 13 ماي 1993 المنظم لوزارة الفلاحة والإصلاح الزراعي الذي نص على أن الوزارة المذكورة تتألف من عدة مديريات منها مديرية المحافظة على الأملاك العقارية وإحصاء العقارات ووضع الخرائط، لتتحول بعد ذلك إلى إدارة المحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية  بمقتضى المرسوم الصادر في 21 نوفمبر 1994.

ولا بد من الإشارة إلى أنه منذ سنة 1982 تم تمتيع مديرية المحافظة العقارية بميزانية ملحقة بعدما كانت هذه المديرية تسير ماليا في إطار الميزانية العامة. غير أن أهم تحول شهده الجهاز المكلف بالتحفيظ العقاري هو تحويله إلى “الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية” بمقتضى القانون رقم 58.00.

أما على المستوى الخارجي، فبعدما تم إحداث أول محافظة عقارية بالدار البيضاء سنة 1915 تم بعد ذلك إحداث محافظة بوجدة سنة 1917، وإلى حدود سنة 1980 لم يكن عدد المجمعات العقارية يتجاوز 21 مجمعا، وارتفع هذا العدد إلى غاية تاريخه ليصل إلى 154 مصلحة خارجية عملا بسياسة القرب الذي أخذت تنهجها الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية لتوفير عناء تنقل الساكنة من جهة وتشجيعهم على تحفيظ أملاكهم من جهة أخرى.

  • على مستوى التدبير والتواصل

نهجت الوكالة عدة أساليب نحو تدبير جيد وتواصل فعال ويتجلى ذلك فيما يلي:

– المعالجة التفضيلية لملك الدولة الخاص والعقارات التي تحت وصايتها:

يمثل الملك الخاص للدولة والعقارات التي تحت وصايتها رصيدا عقاريا مهما يوضع رهن إشارة الدولة ومؤسساتها ومختلف الفاعلين لإنجاز المشاريع الاستثمارية في مختلف المجالات وخاصة الاجتماعية والصناعية والسياحية والسكنية.

لذلك ومن أجل تأهيل العقار العمومي وتعبئته فقد عملت الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية على تخصيص معالجة تفضيلية لعقارات الدولة ومؤسساتها وعملت على تصنيف العقار العمومي ضمن الحسابات الكبرى لتمييزه عن باقي أصناف العقارات وأبرمت في هذا الإطار اتفاقيات مع وزارة الداخلية بالنسبة لأراضي الجموع ومديرية أملاك الدولة بالنسبة للملك الخاص للدولة والمندوبية السامية للمياه والغابات بالنسبة للملك الغابوي.

وقد ساهمت هذه الاتفاقيات في تصفية مجموعة من مطالب التحفيظ وتم تحفيظ مساحات شاسعة ومهمة، فعلى سبيل المثال كانت المساحة المحفظة بالنسبة للملك الغابوي للدولة إلى غاية سنة 2005  لا تتجاوز 13000 هكتار ليرتفع إلى غاية تاريخه إلى حوالي 4.000.000 هكتار.

كما اتخذت عدة تدابير أخرى خاصة على مستوى:

  • تعيين محافظين مكلفون بالتحفيظ
  • وضع عقود برامج لمعالجة مطالب التحفيظ العالقة وكذا الرفع من المردودية
  • تقليص آجال النشر بالجريدة الرسمية بتخصيص نشرة خاصة بإعلانات التحفيظ العقاري
  • الاستمرار في نهج سياسة القرب بإحداث مجمعات عقارية أخرى
  • تطوير وتحيين القواعد المعلوماتية لتسريع معالجة الملفات والاستجابة لخدمات المرتفقين في آجال وجيزة ومعقولة.

المبحث الثالث : إكراهات تعميم نظام التحفيظ العقاري

كان لازدواجية النظام العقاري وتعدد الأنظمة العقارية وتنوع في النصوص القانونية والتنظيمية آثار سلبية حالت دون أن يضطلع العقار بنوعيه العمومي والخاص وخاصة الغير المحفظ بالتنمية الشاملة بمختلف تجلياتها، مما دفع السلطات الحكومية منذ فجر الاستقلال التفكير في توحيد النظام العقاري وذلك بوضع حد لتعدد التشريعات المؤطرة للعقار في الوقت الذي كان قد مر على العمل بنظام التحفيظ العقاري أكثر من أربعة عقود، وهي مدة يمكن القول أنها كانت كافية للوقوف على مدى فعالية وقوة النظام، وأنه يبقى الأفضل لما يتميز به من مبادئ ومزايا جعلت الإقبال عليه في تزايد مستمر لكون المتعاملين معه أدركوا أهميته اقتصاديا واجتماعيا. إلا أن النتائج المحققة على مستوى تغطية التراب الوطني بنظام التحفيظ العقاري لا تتماشى مع طموحات السلطات العمومية إذ تصل نسبة التحفيظ في بعض المدن والمراكز الحضرية الكبرى أكثر من 95%وفي المناطق المجاورة للمدن حوالي 60%، أما النسبة العامة على الصعيد الوطني فتتجاوز 10%.

إلا أنه على الرغم من جهود الدولة الرامية إلى توحيد النظام القانوني عن طريق تعميم نظام التحفيظ العقاري، فإن ذلك لا زال يعرف إكراهات من أهمها ما يلي:

  • الطابع الاختياري:

من الإكراهات الأساسية التي تحول دون توسيع مجال تعميم التحفيظ العقاري مبدأ الاختيارية الذي تتميز به مساطر التحفيظ العادية أو المساطر المماثلة .

إن مبدأ الاختيارية نصت عليه وكرسته عدة مقتضيات ، فعلى مستوى مقتضيات مسطرة التحفيظ العادية نص الفصل 6  من ظهير التحفيظ العقاري المذكور أعلاه كما وقع تغييره وتتميمه بموجب القانون 14.07: ‘‘ إن التحفيظ أمر اختياري …….‘‘ كما أن الفصل 16 المتعلق بالتحفيظ المجموعي من طرف عدة فلاحين من نفس الظهير جاء بصيغة تترك المجال مفتوحا أمام رغبة و إمكانية اللجوء إلى هذه المسطرة باستعمال عبارة يمكن لمالكين متعددين أن يتفقوا على تحفيظ عقاراتهم………..‘‘

وكذلك الأمر بالنسبة للتحفيظ الجماعي المنجز في إطار الظهير الشريف رقم 1.69.174 بتاريخ 10 جمادى الأولى 1389 (25 يوليوز 1969) بشأن التحفيظ الجماعي للأملاك القروية والذي لا يتضمن أي مقتضى ينص على إجبارية التحفيظ بل جميع المقتضيات جاءت تكرس  بشأن التحفيظ الجماعي للأملاك القروية بل جميع المقتضيات جاءت تكرس كلها مبدأ الاختيارية.

أما بالنسبة للمساطر المماثلة التي نقصد بها تلك المقتضيات القانونية والتنظيمية التي يتم بمقتضاها تصفية الوضعية القانونية لأملاك الدولة الخاصة وأراضي الجموع والملك العام للدولة عن طريق التحديد الإداري الذي يروم التعرف على هذه الأملاك وفقا للكيفية المبينة بالظهير الشريف المؤرخ في 26 صفر 1334 (3 يناير 1916) بمثابة قانون خاص لتحديد أملاك الدولة والظهير الشريف المؤرخ في 12 رجب 1342 (18 فبراير 1924) بالنسبة لتحديد أراضي الجموع.

وبعد إجراءات التحديد الإداري لأملاك الدولة الخاصة وأراضي الجموع والمصادقة عليه يمكن طلب تحفيظها طبقا لما جاء به الظهير الشريف المؤرخ في 26 رمضان 1340(24 ماي 1922) المتعلق بتحفيظ أملاك الدولة الخاصة المحددة إداريا وفقا لظهير 3 يناير 1916 المذكور والذي نص في فصله الثالث على أن تحفيظ أملاك الدولة المصادق عليها بقرار وزيري يمكن أن يتم بطلب من الدولة بعد مراجعة تحديدها ومسح تصميمها العقاري من طرف مصلحة المحافظة العقارية.

ونفس الإمكانية تم تخويلها لأراضي الجموع كما ينص على ذلك الفصل 10 من الظهير الشريف المؤرخ في 18 فبراير 1924 المذكور.

ويستفاد من المقتضيين القانونيين أن التحفيظ يبقى أمرا اختياريا وغير ملزم.

  • وضعية الأملاك المشاعة

من الإكراهات التي لا تساعد على تعميم التحفيظ العقاري وضعية الأملاك التي توجد على الشياع بين عدة شركاء حينما لا يتفقون جميعا على طلب تحفيظ عقاراتهم على الشياع أو الخروج من حالة الشياع عن طريق إجراء قسمة لفرز نصيب كل واحد منهم.

  • عدم تفعيل حالات التحفيظ الإجباري

تضمن القانون 14.07 المغير والمتمم لظهير التحفيظ العقاري مستجدا يتعلق بإمكانية فتح مناطق للتحفيظ الإجباري وقد تضمنت الفصول 7 و 8 ومن 51-1 إلى 51-19 إجراءات فتح مناطق وإجراءات تحفيظ العقارات الواقعة بها، كما تضمن المرسوم رقم 2.13.18 الصادر في 16 رمضان 1435 (14 يوليوز 2014) في شأن إجراءات التحفيظ العقاري مقتضيات تتعلق بتعيين اللجنة وكيفية عملها وحصر لائحة مطالب التحفيظ المتعلقة بالأملاك الواقعة بمنطقة التحفيظ الإجباري ولغاية تاريخه فإنه لم يتم تفعيل هذه المقتضيات.

  • الاستمرارية في تكريس العمل بازدواجية النظام العقاري:

ويظهر ذلك أحيانا من بعض التشريعات، وكمثال على ذلك ما ورد في القانون رقم 106.12 المغير والمتمم للقانون18.00 المتعلق بنظام الملكية المشتركة للعقارات المبنية حيث تم الاحتفاظ بنفس المقتضيات المتعلقة بسريان القانون المذكور على العقارات سواء في طور التحفيظ أوغير المحفظة.

وكان على المشرع أن يحصر نطاق تطبيق القانون المذكور على العقارات المحفظة أو التي في طور التحفيظ متى انتهى أجل التعرض بشأنها ولم يتم تقديم أي تعرض وذلك للاعتبارات  التالية:

  • كون الواقع العملي بين عدم إقدام الأفراد والمؤسسات على إخضاع العقارات غير المحفظة للقانون المتعلق بالملكية المشتركة للعقارات المبنية، بالرغم من دخول هذا القانون حيز التنفيذ منذ 2003. وبالتالي فإن الإبقاء على نفس المقتضى القانوني لا يحقق أية فائدة بالنسبة لجميع المتدخلين في العملية العقارية.
  • حرصا على تحقيق الانسجام مع القوانين المنظمة لمجال التعمير وخاصة القانون رقم 25.90 المتعلق بالتجزئات العقارية وتقسيم العقارات والمجموعات السكنية.
  • اعتبار للضمانات التي يوفرها نظام التحفيظ العقاري من خلال مبادئه وقواعده ومساطره في استقرار المعاملات العقارية والحد من النزاعات المتعلقة بها. مما يؤدي إلى تعزيز عنصر الثقة لدى جميع المتعاملين في العقار.
  • مواكبة لاستراتيجية تعميم نظام التحفيظ العقاري، إذ أن فتح المجال لتطبيق نظام الملكية المشتركة للعقارات المبنية على العقار غير المحفظ من شأنه أن يشكل عائقا أمام تشجيع الأفراد على تحفيظ أملاكهم.
  • تقوية الإئتمان العقاري والضمانات الرهنية والذي ينعكس إيجابيا على التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
  • خلق وضعيات يصعب التعامل معها قانونا في حالة رغبة الملاكين في تحفيظ الملكية المشتركة من أجل الاستفادة من مزايا نظام التحفيظ العقاري.
  • إخضاع الملكية المشتركة على عقار غير محفظ للإيداع لدى كتابة الضبط وفقا للكيفية الواردة في المادة 11 من القانون رقم 18.00 المذكور من شأنه أن يمس بالغاية المتمثلة في توحيد النظام القانوني للعقارات بالمغرب وبالتالي الإبقاء على ازدواجيته.

وهذه مفارقة تشريعية غريبة وعجيبة، فقد سبق للمشرع أن استلزم تطبيق التجزئة فقط على العقار المحفظ أو العقار في طور التحفيظ  بعد انصرام أجل التعرض عليه وبعد التأكد من أنه لم يصدر أي تعرض في العقار موضوع تجزئته.

وفي ختام هذا الموضوع ومن أجل توفير مناخ ملائم لجلب الاستثمار والذي لا يمكن تحقيقه والوصول إليه إلا عن طريق تصفية الوضعية القانونية والمادية للعقار بنوعيه العمومي والخاص بهدف تعبئته وتأهيله، وسعيا وراء وضع حد للاختلالات والإكراهات التي تحول دون توسيع مجال تعميم نظام التحفيظ العقاري يقترح العمل على مايلي:

  • وضع مدونة عامة للعقار العمومي تجمع كل النصوص التشريعية والتنظيمية المؤطرة لهذا العقار مع ضرورة الحفاظ على خصوصية كل عقار عمومي على حدة؛
  • توحيد مقتضيات مسطرة التحديد الإداري لأملاك الدولة الخاصة وأملاك الجماعات السلالية بمقتضى ظهيري 1916 و 1924 مع إجبارية تحفيظها مباشرة بعد المصادقة عليها؛
  • إحداث قضاء متخصص للبث في نزاعات التحفيظ العقاري.
  • وضع استراتيجية شاملة للرفع من وتيرة التحفيظ الجماعي للأملاك القروية باعتباره رافعة فعالة لتعميم التحفيظ العقاري مع وضع الوسائل اللوجيستيكية والموارد المالية والبشرية الضرورية رهن إشارة الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية.
  • إحداث هيئة للوساطة والصلح والتحكيم للبت في نزاعات العقار العمومي؛ بدل اللجوء إلى القضاء تفاديا لطول البت في النزاعات؛
  • تفعيل وتكثيف عمليات التحفيظ الإجباري خاصة على مستوى المدارات الحضرية والمناطق ذات الجاذبية الاقتصادية؛
  • ضرورة إيجاد حل للإشكالية المتعلقة بالتأويلات المتباينة لمقتضيات الفصل 17 من المرسوم المؤرخ في 25/07/1969 بشأن تطبيق الظهير الشريف بتاريخ 25/07/1969 المتعلق بضم الأراضي الفلاحية بعضها إلى بعض وذلك فيما يخص التعرض الاستثنائي والإجراءات الواجبة التطبيق بالنسبة للحقوق الناتجة عن التعرضات المحكوم بصحتها.
  • نوعية الملاكين والمتدخلين وإشراكهم في جميع مراحل إنجاز مشاريع الضم.
  • إعادة النظر في قانون ضم الأراضي لتبسيط مساطره وتقليص آجاله.
  • التفكير في إيجاد حل لفترة المنع رفعا للجمود والركود التي تعرفها العقارات المتواجدة داخل مناطق الضم.
  • ضرورة التفكير في إيجاد حل لتحرير العقارات المتواجدة داخل مناطق الضم والتي أصبحت بكاملها أو أجزاء منها خاضعة لوثائق التعمير وتستقطب مثلا مشاريع التجزئات الصناعية والسكنية.
  • رفع وتيرة عملية تحديد الأملاك الخاصة والغابوية وأراضي الجماعات السلالية طبقا لظهيري 3 يناير 1916 و 18 فبراير1924 مع إجبارية تحفيظهما مباشرة بعد المصادقة.
  • ضرورة تحرير العقار من حالات المنع المنصوص عليها في مختلف النصوص القانونية.
  • ضرورة إعادة النظر في التعرض على الإيداع الفصل 84 .
  • إعادة العمل بالملكية الخاصة المقامة للتحفيظ طبقا للمنشور المشترك رقم 24 المشار إليه أعلاه.
  • النظر في وضعية العقارات التي توجد في حالة ركود وجمود خاصة في المراكز والمدارات الحضرية .

 

[1] – المناظرة الوطنية حول موضوع: السياسة العقارية للدولة ودورها في التنمية الاقتصادية والاجتماعية ـ المنعقدة بالصخيرات الرباط بتاريخ 26-27 صفر الخير 1437ه ـ(8-9 دجنبر 2015).

[2]  – ذ. محمد الزخوني، ضم الأراضي القروية في التشريع العقاري المغربي، أطروحة لنيل الدكتوراة في القانون الخاص، ص 3 وما يليها.

[3]  – ذ. عبد الكريم الطالب، ازدواجية النظام بالمغرب وآثارها المنشور بمجلة المحامي عدد 29/1996 ص 210 وما يليها.

[4]  – ذ. محمد خيري، الملكية ونظام التحفيظ العقاري بالمغرب، مطبعة المعارف الجديدة، الرباط الطبعة الثانية 1990 ص 84 وما يليها.

[5]  – ذ. ادريس الفاخوري ـ نظام التحفيظ العقاري وفق مستجدات القانون 14.07 ص 190.

– ذ. خالد المداوي: تطورنظام التحفيظ العقاري بمنطقة شمال المغرب مطبعة امبريال الرباـط 1977 ص5  .

[6]  – الظهير الشريف رقم 105.62.1 بتاريخ 27 محرم1389 (30 يونيو 1962) بشأن ضم الأملاك القروية كما تم تغييره بالظهير الشريف رقم 32.69.1 بتاريخ 10 جمادى الأولى  1389 ( 25 يوليوز 1969) والمرسوم 240.62.2 بتاريخ 22 صفر 1382 (25 يوليوز1962) المتعلق بإجراءات تطبيق ظهير الضم المذكور.

[7]  – الفصل 16 من الظهير المتعلق بالتحفيظ العقاري الصادر بتاريخ 9 رمضان 1331 (12 غشت 1913) كما وقع تغييره وتتميمه بمقتضى القانون 14.07 .

[8]  – الظهير الشريف رقم 1.69.174 بتاريخ 10 جمادى الأولى 1389 ( 25 يوليوز 1969) بشأن التحفيظ الجماعي للأملاك القروية.

[9]  – الفصول من 51 -1 إلى 51-19 من ظهير التحفيظ العقاري المذكور كما تم تغييره وتتميمه بالقانون 14.07 المذكور.

[10]  – الظهير الشريف الصادر بتاريخ 26 صفر 1334( 3 يناير 1916) بمثابة قانون خاص بتحديد الملك الخاص للدولة.

– الظهير الشريف الصادر بتاريخ 26 رمضان 1340( 24 ماي 1922) المتعلق بتحفيظ أملاك الدولة المحدد إداريا في إطار ظير 3 يناير 1916 المذكور.

– الظهير الشريف المؤرخ في 12 رجب 1342 (12 فبراير 1924) بشأن التحديد الإداري لأراضي الجموع.

[11]  – القرار رقم 125 الصادر عن المجلس الأعلى للقضاء (حاليا محكمة النقض) بتاريخ 2 يونيو 1988 في الملف الإداري رقم 5676 المنشور في قضاء المجلس الأعلى من التحفيظ خلال أربعين سنة للأستاذ عبد العزيز توفيق.

– دورية المحافظ العام على الأملاك العقارية رقم 324 بتاريخ 20 يناير 1995 .

[12]  – ذ. عبد العزيز العزيزي : الاستثمار في الأراضي الحبسية، نظارة أوقاف مراكش نموذجا، ص 35 وما يليها، مقال منشور بأعمال الندوة الوطنية التي نظمها مركز الدراسات القانونية المدنية والعقارية بكلية الحقوق بمراكش يومي 10 و 11 فبراير 2006 تحت عنوان: الأملاك الحبسية.

[13]  – ذ. محمد بونيات: تصفية الوقف المعقب على العقار في ضوء الإكراهات الاقتصادية والاجتماعية ( أعمال الندوة تحت عنوان الأملاك الحبسية المذكورة ص 57).

[14] – المواد 63 و 64 و 73 من مدونة الأوقاف .

[15] – المادة 72 من نفس المدونة.

[16] – المادة 75 من نفس المدونة.

[17]  – ذ. حسن الخشين، ملك الدولة الخاص: تميزه ـ نظامه ـ وظائفه ص 141.

[18]  – الفصل الأول من ظهير 30 يونيو 1962 المنظم لعملية ضم الأراضي بعضها إلى بعض.

[19]  – Paul Beneteau remembrement dalloze civil 1975

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً